التفكير الناقد

يُعَد التفكير الناقد من أنماط التفكير ذات الأهمية في حياة الفرد والمجتمع. فممارسة التفكير الناقد تساعد الأفراد على مواجهة كل معوق يقف حجر عثرة، أمام تبني الفرد لآراء جديدة ونافعة. وهذا بدوره يسهم في التقدم العلمي والثقافي. ويساعد التفكير الناقد الإنسان على عدم التسليم السلبي بالقضايا العامة الشائعة، التي تقف أحياناً أمام صناعة التقدم والنمو الشخصي والمجتمعي. وهذا معناه أن التفكير الناقد يعصم الأفراد من الزلل والخطأ، في اتخاذ القرارات وإصدار الأحكام.

وعالم اليوم مليء بالتيارات ومشبع بالغزو الثقافي للعقول، الذي يحاول تشكيل هوية ومعتقدات الأفراد في قوالب خاصة تحقق مصالح الغزاة. إلا أن التفكير الناقد هو الذي يتصدى لمكونات وعناصر الغزو الثقافي، فيفحص مسلماتها وحججها ويقوِّمها باستخدام محكات ومعايير معينة، حتى يستطيع الفرد الوقوف على الصالح والطالح منها.

وقد بينت الدراسات أثر التفكير الناقد في تمكن التلاميذ من التحصيل الدراسي، وتحقيق النمو المتكامل لشخصياتهم، والقدرة على مواجهة المشكلات الشخصية والمجتمعية، بفاعلية ونجاح. ويرجع ذلك إلى أن التفكير الناقد يُبني على أحكام متميزة، وتقويم دقيق للموضوع، ويشمل الحكم على مصداقية المصدر، وتحديد للأسباب والنتائج، والتفتح الذهني، ومحاولة الحصول على معلومات سليمة، وتنمية القدرة على الدفاع عن المواقف في موضوعية.

ونظراً لأهمية التفكير الناقد في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم، تناوله بالدراسة عدد من العلماء محاولين وضع تعريف له، إلا أنهم اختلفوا في تحديد طبيعته ومكوناته. فمن العلماء من نظر إليه على أنه عملية، ومنهم من نظر إليه على أنه قدرة، ومنهم من نظر إليه على أنه نشاط مركب من عديد من الجوانب والمظاهر، ومنهم من نظر إليه على أنه ناتج. ونعرض فيما يلي للثلاث وجهات نظر الأولى لأهميتها وشيوعها بين العلماء.

أولاً: التفكير الناقد بوصف عملية

ينتمي التفكير الناقد إلى نمط التفكير التقويمي، أي أنه عملية تقويمية يتمثل فيها الجانب الحاسم والختامي في عملية التفكير. ولهذا يُعَد خاتمة لعمليات التذكر والمعرفة والفهم والاستنتاج. وهو بوصفه عملية تقويمية تحدده خاصية أنه عملية معيارية، أو عملية تتم في ضوء محكات، هي:

  • التقويم في ضوء محك الذاتية.
  • التقويم في ضوء الضرورة المنطقية.
  • التقويم في ضوء الخبرة.
  • التقويم في ضوء المحكات الخارجية.

وكمثال آخر لتعريف التفكير الناقد كعملية، ذلك التعريف الذي أشار إلى أن التفكير الناقد عملية عقلية أو متغير متوسط، يتمثل في السلوك الظاهري المُقاس الذي يتصف بالدقة في جمع الوقائع، وملاحظتها، وتقويمها في إطارها الصحيح الذي تنتمي إليه، واستخلاص النتائج بطريقة منطقية سليمة، والبعد عن العوامل الذاتية، كالتأثير العاطفي أو الأفكار السابقة.

وقد وضع أحد العلماء نموذجاً للتفكير الناقد كعملية، أوردته إحدى الباحثات المصريات. يعرض النموذج للتفكير الناقد بوصفه عملية تتم من خلال عدة مراحل تؤدي في النهاية إلى ناتج معين. وهذه المراحل أو المكونات هي:

  1. القاعدة المعرفية: وهي ما يعرفه الفرد أو يعتقد فيه. وتتكون من الوقائع والمعتقدات والقيم والمسلمات، التي تؤثر جميعها في تفكير الفرد؛ إذ يتقبلها الفرد على أنها صحيحة.
  2. النظرية الشخصية: يكوِّن كل فرد لنفسه ـ بناءً على قاعدته المعرفية ـ نظرية خاصة به بوصفها قصة يلخص فيها معتقداته وتوقعاته لأي حدث. ويستخدم الفرد هذه النظرية الشخصية في تقويم أي حدث خارجي في ضوء محكات لها طابع شخصي خاص بالفرد. ويظل الفرد من خلال خبراته الحياتية المختلفة ينمي هذه النظرية ويصقلها، من خلال تزايد قاعدته المعرفية ونموها.
  3. الأحداث الخارجية: تقوم هذه الأحداث بدور مثيرات التفكير الناقد. وهذه الأحداث قد تكون في بيئة العمل، أو المواقف الشخصية، أو الفصل الدراسي. وتتوقف قدرة هذه الأحداث في إثارة التفكير الناقد على مستوى النمو العقلي للفرد؛ ومن ثم فإنها قد تتباين في شدتها وتدرجها، من الوضوح والبساطة إلى أقصى درجات الغموض والتركيب.
  4. الشعور بالتناقض: عندما يحدث تباعد بين القاعدة المعرفية للفرد والأحداث الخارجية، يشعر الفرد بالتناقض. وتكمن أهمية الشعور بالتناقض في كونه يمثل عاملاً دافعاً، تترتب عليه بقية خطوات التفكير الناقد؛ فعندما يشعر الفرد بالتناقض، تنتابه حالة من القلق يسعى إلى خفضها، ومن ثم تكون كدافعٍ للبحث عن أسباب هذا التناقض.
  5. حل التناقض: عندما يسعى الفرد إلى خفض القلق الناتج عن التناقض، يقوم بعدة خطوات لحل التناقض الذي استشعره (وذلك بالوصول إلى تفسير مناسب للأحداث). ولتحقيق هذه الخطوة يقوم الفرد بالآتي:

أ. البحث عن المعلومة: وفيها يبحث الفرد عن مزيد من المعلومات التي تساعد في حل التناقض، وتنظيم هذه المعلومات، وتصنيفها، واختيار المعلومات ذات الصلة.

ب. ربط المعلومات: بعد فرز المعلومات وإدراك المعنى وتحديد المسلمات الخاصة بالموضوع، يوظّف الفرد المعلومات ذات الصلة في حل التناقض.

ج. التقويم: وتتخذ عملية التقويم ثلاثة مسارات، هي:

  • تقويم حل مؤقت للتناقض المطروح.
  • بحث الأسلوب الذي أدى إلى نشأة هذا الحل.
  • تقويم كلٍ من الناتج أو العملية.

د. التعبير: وفيها يُعلن الفرد عن قابلية الحل للمراجعة والنقد، وعن استعداده لتنفيذ الحل في ضوء المعلومات الجديدة والرؤى البديلة. وقد تؤدي معلومة جديدة إلى عودة الفرد إلى مرحلة مبكرة من عملية التفكير الناقد الخاصة بحل التناقض.

هـ. التكامل: وفيها تتكامل النظرية الشخصية مع القاعدة المعرفية، وبها تتم خطوات التفكير الناقد.

ثانياً: التفكير الناقد بوصفه قدرات

يُعرّف التفكير الناقد بوصفه قدرة الطلاب على الاستنتاج، والتعرف على الافتراضات، والاستنباط، والتفسير، وتقويم الحُجَج. كما يُعرف بوصفه محصلة كل من إمكانات الفرد في استخدام قواعد المنطق الصحيح، والقدرة على التفسير، والحكم، والاستنباط، والموازنة بين الأدلة والبراهين، وتقويم الحجج.

وقد ظهر في تاريخ علم النفس عدد من الاختبارات، التي تهدف إلى قياس قدرات التفكير الناقد. وفيما يلي جدول يوضح ذلك

القدرات التي تقيسها اختبارات التفكير الناقد

اختبار رست 1960 اختبار درزل ومايهيو 1954 اختبار ماسي وود 1951 اختبار واطسن وجليز 1952 اختبار ادواردز 1950 اختبار سمث وتايلر 1942
·   تقويم الدليل ·   استخراج النتائج · الوصول إلى الاستنتاجات ·   الاستنباط · الحكم على قيمة النتيجة المنطقية · الاستدلال المنطقي
· التعرف على الافتراضات · التعرف على الافتراضات · العلاقة بين السبب والنتيجة ·   التفسير · التمييز بين الحجة الجيدة وغير الجيدة · تطبيق المبادئ العملية
· تحديد صحة التوكيد المنطقي · تقويم الاستنتاجات · مكونات أخرى غير عقلية

– اتجاه التساؤل

– الميل إلى العلم

– العقلية المتفتحة والأمانة العقلية

·   تقويم الحجج · الحكم على الرأي الجيد
· معرفة قواعد المنطق ·   تحديد المشكلات · التعرف على الافتراضات · المزاوجة بين الحقائق والمبادئ ·   طبيعة البرهان
· التعرف على المغالطات · صياغة وتقديم الفروض · تقويم الاستنتاجات
· التعرف على ما هو مطلوب لحل المسائل الخلافية · انتقاء المعلومات المتصلة بالموضوع
· معرفة معنى الافتراض
· معرفة معنى المحك
· التعرف على التعريف الصحيح

من هذه القائمة يتبين أن التفكير الناقد كقدرات، هو مجموعة من مهارات التفكير المنطقي، ومعرفة مبادئ المنطق، وبعض سمات الشخصية.

وباستخدام أساليب إحصائية متقدمة في تحليل اختبارات قدرات التفكير الناقد، أمكن التوصل إلى عدد من القدرات أو العوامل المكونة للتفكير الناقد، بوصفه “تفكير تقويمي”:

  1. تقويم وحدات الأشكال: ويُقاس باختبار الأشكال المتطابقة، وفيه يُطلب من المفحوص أن يحدد ما إذا كان كل شكل من الأشكال التي يتضمنها السؤال يتطابق مع شكل مرجعي. ويقتضي ذلك القيام بعملية المقارنة والمزاوجة، للحكم على مدى توحد الأشكال.
  2. تقويم وحدات الرموز: ويُقاس باختبار وحدات الرموز، وفيه يطلب من المفحوص المطابقة بين أزواج الأعداد، أو الحروف، أو الأسماء.
  3. تقويم وحدات المعاني: ويُقاس باختبار الكلمات المتطابقة، وفيه يطلب من المفحوص أن ينتقي أقرب كلمة في المعنى لكلمة مرجعية، من بين أربعة احتمالات اختيارية كلها مرادفات للكلمة المرجعية، وتُحدد الأوزان النسبية لدرجة التشابه بين كل احتمال من الاحتمالات الاختيارية والكلمة المرجعية. أما الاختبار الثاني، فهو اختبار التعريفات، وفيه يُعطى المفحوص أربعة تعريفات لشيء مألوف ولكنها تتفاوت في الدقة، وعليه أن ينتقي منها أدق التعريفات.
  4. تقويم فئات الأشكال: ويُقاس بالاختبارات التي تتطلب من المفحوص الحكم على ملاءمة الفئات، مثل اختبار أنسب فئة، واختبار أنسب زوج للأشكال، وأنسب محك للتمييز بين فئات الأشكال، والمزاوجة بين الأشكال.
  5. تقويم فئات الرموز: ويُقاس باختبار أفضل فئة لتصنيف الأعداد، وأفضل تجميع للكلمات (حسب القافية)، وانتقاء الكلمات حسب خصائصها.
  6. تقويم فئات المعاني: ويُقاس بانتقاء اسم الفئة، وفيه يُطلب من المفحوص أن يحدد أي فئة (من بين فئات ثلاث) تنطبق على أربع كلمات، واختيار أنسب فئة للكلمات.
  7. تقويم العلاقات بين الأشكال: ويُقاس باختبارات تقدير الزوايا الهندسية، والحكم على العلاقات الإدراكية، والاتجاهات الصحيحة للأشكال، والعلاقات المحددة بين الأشكال، وأقرب علاقة بين شكلين.
  8. تقويم علاقات الرموز: ويُقاس باختبار معالجة الرموز، ويتخذ صيغة اختبارات القياس المنطقي في محتوى رمزي، واختبار الكلمات المرتبطة، واختبار الأزواج المتشابهة.
  9. تقويم علاقات المعاني: ويُقاس باختبار الكلمات المرتبطة، وفيه يُعرض على المفحوص زوج من الكلمات بينهما علاقة واضحة ومجموعة من الأزواج الأخرى كاحتمالات اختيارية، وعلى المفحوص أن يختار منها أقرب زوج يعبر عن العلاقة المطلوبة. والاختبار الثاني هو اختبار التماثل اللفظي، من نوع الاختيار من متعدد.
  10. تقويم منظومات الأشكال:وتقيسه اختبارات الحكم على توازن الأشكال، وأفضل موضع على خريطة، والأشكال المتسقة داخلياً، وأقرب سلاسل أشكال، والاتجاهات المكانية المتشابهة.
  11. تقويم منظومات الرموز:ويُقاس باختبار العلاقات بين سلاسل الأعداد، وفيه يُعطى المفحوص سلسلة من الأعداد ثم يُطلب منه تحديد أنسب عملية حسابية تصف المبدأ والقاعدة السائدة في السلسة، من بين ثلاثة مبادئ محتملة. والاختبار الثاني هو الأعداد البعيدة، وفيه يُطلب من المفحوص أن ينتقي من بين مجموعة من الأعداد أكثر الأعداد بعداً من حيث انتظام المجموعة.
  12. تقويم منظومات المعاني:ويُطلق عليه عامل ” التقويم المعتمد على الخبرة”، أو “التقويم في ضوء محك الفهم العام”. وأفضل مقاييسه اختبار التفاصيل غير المعتادة، وفيه يُطلب من المفحوص أن يحدد الأخطاء المتضمنة في صورة مرسومة. واختبار المواقف الاجتماعية، وفيه يُعرض على المفحوص موقف اجتماعي غامض ومجموعة من الحلول المقترحة، وعليه أن ينتقي أقرب الحلول إلى الفهم العام. واختبار منظومات الكلمات، وفيه يُعرض على المفحوص مصفوفات من الكلمات، وعليه أن ينتقي أفضل وأسوأ منظومة في ضوء محك الاتساق الداخلي. واختبار الأفكار الكاملة، ويتضمن قائمة من العبارات بعضها جمل كاملة وبعضها جمل ناقصة، وعلى المفحوص أن يميز بينهما.
  13. تقويم تحويلات الأشكال:وتقيسه اختبارات الحكم على إعادة الترتيب، والتفسيرات الفنية، واختبار الحكم على أقل عدد من الحركات، التي تطرأ على الشكل المرجعي.
  14. تقويم تحويلات الرموز:وأفضل مقاييسه اختبار الكلمات المختلطة، وفيه يُطلب من المفحوص أن يحكم هل من الممكن نحت كلمة من إعادة ترتيب كلمة أخرى؟ والاختبار الثاني هو اختبار حل الشفرة، وفيه يُعطى للمفحوص خمس قواعد تتعلق بنظام الترميز (الشفرة)، ثم يُعطى في كل سؤال كلمتين وعليه أن يقرر أي الكلمتين تُرجمت بدقة. أما الاختبار الثالث، فهو اختبار الأخطاء المطبعية.
  15. تقويم تحويلات المعاني:ويُقاس باختبار انتقاء الناتج، وفيه يُعطى المفحوص ثلاثة أشياء بديلة يمكن الربط بينها، وعليه أن يقرر أفضلها وأسوأها في صناعة شيء ثالث. واختبار التغيرات، وفيه يُعطى المفحوص ثلاثة أشياء يمكن أن تُستخدم في تحقيق غرض معين، وعليه أن ينتقي أفضلها وأسوأها.
  16. تقويم تضمينات الأشكال:وأفضل مقاييسها اختبارات تخطيط الطرق، والتخطيط لدائرة كهربائية، والتخطيط التنافسي، والحكم على تفصيلات الأشكال.
  17. تقويم تضمينات الرموز:ويُقاس بالاختبارات التي تتطلب عملية الاستنباط باستخدام اختبارات القياس المنطقي، والتي تُصاغ في محتوى رمزي.
  18. تقويم تضمينات المعاني:ويُسمى “التقويم المنطقي”، أو “التقويم في ضوء المحكات الداخلية”. وأفضل مقاييسه اختبارات القياس المنطقي، التي تتطلب الاختيار من متعدد.

قدرات الحكم (التمييز والتعيين)

عادة ما تُذكر القدرة عند الحكم، كخاصية مميزة لبعض صور السلوك المركب، كما يتمثل في سلوك القائد الاجتماعي والطيار والمعلم والأب.

ويُشير مفهوم الحكم إلى معنيين، أولهما: المقارنة بين المثيرات البسيطة، مثل المسافات والأطوال والأبعاد (ومنها تقدير الأطوال)، وثانيهما: المقارنة بين المثيرات المركبة. وتتكون القدرة على الحكم المركب من:

  1. تجريد البيانات المرتبطة من الموقف المركب.
  2. تكون “تأهب” نحو هذه البيانات المرتبطة.
  3. الانتباه لمجموعة من البيانات في وقت واحد.
  4. وزن كل وحدة من هذه البيانات وزناً ملائماً.
  5. تكامل جميع هذه البيانات، بحيث ترتبط بأحد البدائل دون غيره.
  6. تأجيل الاستجابات أو كفها، كما يتمثل في الحيطة والحذر والتروي.

وقد توصل العلماء إلى وضع مجموعة من الاختبارات، التي تقيس “الحكم العملي”، وفيها يُطلب من المفحوص الإجابة عن أسئلة تصف مواقف مشكلة على أن ينتقي أفضل الطرق للتغلب عليها. واشتملت الاختبارات، أيضاً، على أسئلة للحكم تتطلب معلومات ميكانيكية، وأسئلة تتضمن تخطيط العمل، والنظرة للمستقبل.

ثالثاً: التفكير الناقد بوصفه مهارات

يُعرف التفكير الناقد كمجموعة من المهارات، يمثلها ذلك التعريف الذي يُشير إلى أنه نمط من أنماط التفكير ـ يتناول أي موضوع أو محتوى أو مشكلة ـ وفيه يُطور الفرد المفكر من نوع تفكيره، من خلال المهارة في تناول الأبنية الملازمة للتفكير، وسيطرة المعايير العقلية عليها.

وقد أشار أحد الباحثين إلى أن مهارات التفكير الناقد تتضمن:

  1. مهارة التحليل: وهو إصدار حكم قائم على قدرة الفرد على تحليل الإدعاء إلى مكوناته، في ضوء محك ثقة الفرد في مصدر المعلومات.
  2. مهارة التركيب: وهو إصدار حكم قائم على قدرة الفرد على التوصل إلى استبصارات جديدة غير واردة في الموقف، اعتماداً على محك الخبرة.
  3. مهارة التقويم: هو إصدار حكم قائم على قدرة الفرد على إثبات صحة الادعاء وتقدير قوة العلاقات، بين الادعاء والقضية، في ضوء محك الموضوعية.
  4. مهارة الاستنتاج: هو إصدار حكم يتعلق بصحة أو خطأ نتائج محددة، بناءً على حقائق وبيانات معطاة، في ضوء محك العلاقة الشرطية “إذا كان…. فإن”.
  5. مهارة التفسير: هو إصدار حكم عمّا إذا كانت الاستنتاجات المقترحة تترتب منطقياً على المعلومات المعطاة أم لا، على افتراض أن تلك المعلومات صحيحة. وتتضمن هذه المهارة القدرة على التعبير عن معنى الحكم الذي أصدره. وتُقاس في ضوء محك قوة الاستنتاجات، أي الأسباب القوية (الحقائق)، في مقابل الأسباب الضعيفة (الآراء ووجهات النظر الشخصية).
  6. مهارة الدقة في فحص الوقائع: هو إصدار حكم قائم على قدرة الطفل على فحص جميع الوقائع المتضمنة في الموقف، أو الموضوع المعطي، والتي تتم في ضوء محك قبول الادعاء أو رفضه أو التوقف عن الحكم، لعدم توافر البيانات.

وثمة نموذج آخر أكثر شمولاً لمهارات التفكير الناقد، يتضمن المهارات الآتية:

  1. التركيز على التساؤل: ويشمل
  • تحديد وتكوين السؤال.
  • تحديد معايير للحكم على الإجابات الممكنة.
  • أخذ الموقف (السّياق) في الاعتبار.
  1. تحليل المناقشات: وتشمل
  • تحديد النتائج.
  • تحديد وتعريف الأسباب القائمة.
  • الوعي بالفروق والاختلافات.
  • الوعي ببناء المناقشة.
  • التلخيص.
  1. البحث: ويشمل
  • تصميم التجارب، التي تشمل التخطيط من أجل التحكم في المتغيرات.
  • البحث عن الحُجة، والحُجة المضادة.
  • البحث عن التفسيرات الممكنة.
  1. المعايير: تقدير مقترحات معقولة:
  • النتيجة المفترضة سوف تُفسر الحُجة.
  • النتيجة المحتملة تتسق مع الحقائق المعروفة.
  • النتيجة البديلة أو المنافسة غير متسقة مع الحقائق المعروفة.
  • النتيجة المفترضة تبدو مقبولة.
  1. العمل والحكم على الأحكام ذات القيمة: وتشمل
  • خلفية الحقائق.
  • النتائج.
  • الشكل الأولي لتطبيق القواعد المقبولة.
  • وضع البدائل المختلفة في الاعتبار.
  • العمل على تحقيق الاتزان والوزن النسبي لكل عنصر في التقرير.
  1. التكتيكات والإستراتيجيات: وتشمل
  • تعريف المشكلة.
  • اختيار المعايير للحكم على الحلول الممكنة.
  • تشكيل وتكوين الحلول البديلة.
  • تقرير ما ينبغي أن يُفعل.

رابعاً: التفكير الناقد بوصفه نشاطاً مُركباً

إزاء التعدد السابق الإشارة إليه في تعريف التفكير الناقد، ظهرت مجموعة من التعريفات تنظر إلى التفكير الناقد بوصفه نشاطاً مُركباً. ومن هذه التعريفات تعريف التفكير الناقد بوصفه عملية تشتمل على التقويم، وبناء التصميمات، وإعطاء التفسيرات، وحل المشكلات. كما رأى عدد من الكُتاب أن الفكر الناقد يعني الدقة في فحص الوقائع، واستنتاج المعلومات، وتمكن الفرد من مقاومة آثار الدعاية، ومعرفة المصدر الموثوق في إعطاء المعلومات، والتمييز بين السبب والنتيجة، والرأي والحقيقة، وتوثيق وجهات النظر بأسانيد علمية.

ومن التعريفات التي تنتمي إلى هذه الفئة، تعريف التفكير الناقد بأنه عملية تقوم على أساس الدقة في ملاحظة الوقائع، التي تتصل بموضوع المناقشة وتقييم هذه الموضوعات، والقدرة على استخلاص النتائج منها بطريقة منطقية سليمة، ومراعاة العملية كلها، وبُعدها عن العوامل الذاتية، كعدم الانقياد للآراء المتواترة، والبُعد عن النظر إلى الأمور من وجهة النظر الخاصة والتعصب لها، والبُعد عن تبني وجهات النظر المتطرفة وعدم القفز إلى النتائج، والتمسك بالمعاني الموضوعية وعدم الانقياد للمعاني العاطفية.

ومن نماذج التعريفات الشاملة تحديد “باول” وزملاؤه لمكونات التفكير الناقد، التي تتضمن ثلاث مجموعات من الأبنية العقلية، هي:

أ. سمات أو عادات العقل: وهي السّجايا العقلية والالتزامات الأخلاقية، التي تحوِّل التفكير الناقد من بناء أناني ضيق الأفق، إلى بناء واسع متفتح العقل.

ب. قدرات كبرى.

ج. مهارات صغرى.; –

وأشار “باول” وزملاؤه إلى أن تلك المجموعات الثلاث يندرج تحتها خمسة وثلاثون مكوناً للتفكير الناقد، وهي:

أ. سمات العقل، وتتضمن:

1.  استقلال التفكير.

2.  الاستبصار، سواء للذات أو الموضوع.

3.  الموضوعية وعدم التحيز.

4.  استكشاف الأفكار الكامنة وراء المشاعر، والمشاعر الكامنة وراء الأفكار.

5.  التواضع العقلي وإرجاء الحكم.

6.  الجرأة العقلية.

7.  الثقة أو التكامل العقلي.

8.  المثابرة العقلية.

9.  الثقة في الاستنتاجات العقلية التي يتوصل إليها الفرد.

ب. قدرات معرفية كبرى، وتتضمن:

1.   تنمية التعميمات، وتجنب التبسيط الزائد.

2.   نقل الاستبصارات إلى سياقات جديدة.

3.   تكوين الحجج أو النظريات أو المعتقدات.

4.   التوضيح: توضيح القضايا أو الاستنتاجات أو المعتقدات.

5.   التحليل: تحليل معاني الكلمات أو الجمل أو العبارات.

6.   التقويم في ضوء محكات.

7.   الثقة في مصادر المعلومات

8.   التساؤل المتعمق.

9.   تحليل أو تقويم الحجج والمعتقدات والنظريات.

10. توليد الحلول أو تقييمها.

11. تحليل وتقويم الأفعال.

12. القراءة الناقدة.

13. الاستماع الناقد.

14. الربط بين الموضوعات المختلفة.

15. المناقشة السّقراطية.

16. الاستدلال المنطقي.

17. الاستدلال الجدلي.

18. تطبيق الأفكار النظرية (المثالية) على الممارسة الفعلية.

19. التفكير الدقيق في “التفكير”.

20. ملاحظة التشابهات والاختلافات الرئيسة.

21. فحص الافتراضات وتقييمها.

22. تمييز الحقائق ذات العلاقة بالموضوع من الحقائق غير ذات العلاقة به.

23. الاستنتاج والتفسير المنطقي.

24. تقويم الدليل والحقائق الأكيدة.

25. التعرف على التناقضات.

26. استكشاف التطبيقات والنتائج المترتبة عليها.

وقد وضعت الرابطة الأمريكية Delphi تصوراً لمكونات التفكير الناقد، يتضمن:

1. المهارات، وتتضمن:

أ. الترجمة: وتتضمن التصنيف، وتشفير الجُمل، وتوضيح المعنى.

ب. التحليل: ويتضمن فحص الأفكار، وتحديد الحُجج، وتحليل الحُجج.

ج. التقويم: ويتضمن تقييم الادعاءات، وتقييم الحُجج.

د. الاستنتاج: ويتضمن التساؤل حول الدليل، وتأمل الدليل، والوصول إلى الاستنتاجات.

هـ. التفسير: ويتضمن عرض النتائج، وتبرير الإجراءات، وتقديم الحُجج.

ز. تنظيم الذات: ويتضمن فحص الذات، وتصحيح الذات.

2. النزعات، وتتضمن نوعين:

أ. نزعات عامة تتطلبها الحياة بوجه عام، وهي:

(1)  الاهتمام بأن يُصبح الفرد واسع المعرفة، بوجه عام.

(2)  انتهاز الفرصة لاستخدام التفكير الناقد.

(3)  الثقة التامة في عمليات الاستقصاء العقلي.

(4)  النضج العقلي.

(5)  الثقة في قدرة الذات على التفكير.

(6)  المرونة عند النظر في البدائل والآراء.

(7)  تفهم آراء الآخرين.

(8)  عدم التحيز، والعدالة عند تقييم الاستدلال.

(9)  الحذر والحكمة عند إرجاء الأحكام، أو اتخاذها، أو تغييرها.

(10) الرغبة في إعادة النظر وتعديل وجهات النظر عندما يكون التعديل مرغوباً فيه.

ب. نزعات نوعية تتطلبها القضايا أو الأسئلة، وهي:

(1)  الوضوح في تحديد السؤال أو القضية.

(2)  النظام عند التعامل مع الأشياء المعقدة.

(3)  المثابرة في البحث عن المعلومات ذات العلاقة.

(4)  العقلانية في اختيار واستخدام المحكات.

(5)  المثابرة في التعامل مع الصعوبات التي تواجه الفرد.

(6)  الدقة البالغة.

(7)  التركيز على الأولويات.

تعقيب

يرجع اختلاف تعريفات التفكير الناقد إلى عدة عوامل:

1. تداخله مع مفاهيم أخرى، مثل حل المشكلة واتخاذ القرار والتفكير المتروي. وعلى الرغم من أن حل المشكلة يهدف إلى حل مشكلة يواجهها الفرد، واتخاذ القرار يقتضي الاختيار من بين عدة بدائل، والتفكير المتروي (التروي في التفكير) ما هو إلاّ عادة عقلية تُعَد من متطلبات التفكير الناقد. أما التفكير الناقد، فهو عملية عقلية مركبة تتضمن مجموعة من المهارات العقلية، التي يستخدمها الفرد عند تطبيقه لمحكات محددة تهدف إلى تقرير ما يعتقده، أو يفعله، بشأن إصدار أحكام صائبة، على قضايا أو أحداث أو وقائع معينة.

2. تعدد خصائص التفكير الناقد؛ فهو نشاط إيجابي فعال، وعملية عقلية انفعالية، يتغير التعبير عنه بتغير السّياق، ويُستثار بالأحداث السلبية والإيجابية، وعملية معيارية.

3. تعدد مكوناته المعرفية، فيتضمن –مثلاً- القدرة على التمييز بين الرأي والحقيقة، القدرة على التقويم، القدرة على الاستنتاج، القدرة على وزن الأمور، القدرة على ربط الأحداث وتفسيرها، القدرة على استخدام طرق البحث العلمي والمنطقي، القدرة على توليد الأفكار واختيار المعنى، القدرة على النقد بموضوعية، القدرة على التمييز بين الحُجج.

4. النظرة إلى التفكير الناقد من إحدى زواياه مستقلة عن الأخرى، لذلك عدّه العلماء عملية، مهارة، ناتج، قدرة، نزعة، عادة عقلية. والواقع أن النظرة الشاملة للتفكير الناقد تقتضي النظر إليه على أنه عملية عقلية تحتاج إلى قدرات معينة، حتى تمكن ممارسة تلك العملية. وأن هذه الممارسة تتضمن استخدام عادات عقلية مختلفة وبدرجة من المهارة، حتى يظهر ناتج هذه الممارسة في سلسلة من الأحكام التقويمية.

5. التفكير الناقد، شأنه شأن جميع الظواهر النفسية، هو تكوينات فرضية لا تُدرك مباشرة؛ بل يُستدل عليها من آثارها ونتائجها. وهذا معناه أن التفكير الناقد يمكن أن يُدرك في صورة القدرات السابق الإشارة إليها، أو النواتج الدالة على ممارسة عمليات عقلية معينة.

6. إن الخاصية الأساسية للتفكير الناقد أنه عملية تقويمية تستخدم محكات معينة، للمقارنة بين المعلومات والحكم عليها. وقد تعددت هذه المحكات بحيث تضمنت فئتين أساسيتين، يندرج تحت كل منهما محكات فرعية:

أ. المحك الداخلي: ويركز على الاتساق الداخلي بين المعلومات، ويشمل: محك الذاتية ـ محك الضرورة المنطقية.

ب. المحك الخارجي: ويركز على الحكم على المعلومات في ضوء أساس للحكم مشتمل على هذه المعلومات ذاتها، ويشمل: محك الضرورة الاجتماعية ـ المحك التجريبي.

المصدر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

راسلنا