التفكير الإبداعي

تعريف التفكير الإبداعي:

التفكير الإبداعي نشاط عقلي مركَّب وهادف توجِّهه رغبة قوية في البحث عن حلول أو التوصل إلى نواتج أصيلة لم تكن معروفة سابقًا، ويتميَّز التفكير الإبداعي بالشمولية والتعقيد؛ لأنه ينطوي على عناصرَ معرفية وانفعالية وأخلاقية متداخلة، تشكل حالة ذهنية فريدة، ويستخدم الباحثون تعبيراتٍ متنوعةً تقابل مفهوم “التفكير الإبداعي”، وتلخصه من الناحية الإجرائية؛ مثل “التفكير المنتج” Productive، و”التفكير المتباعد” Divergent، و”التفكير الجانبي” Lateral؛ (جروان، 1998).

 

مهارات التفكير الإبداعي:

إن مراجعةً لأكثر اختبارات التفكير الإبداعي شيوعًا، وهي اختبارات تورنس (Tor – rance, 1966) واختبارات جيلفورد (Guilford, 1967)، تُشِيرُ إلى أهم مهارات التفكير الإبداعي أو قدراته التي حاول الباحثون قياسها، وهي:

أولاً: الطلاقة Fluency:

وتعني القدرة على توليد عددٍ كبير من البدائل، أو المترادفات، أو الأفكار، أو المشكلات، أو الاستعمالات عند الاستجابة لمثير معين، والسرعة والسهولة في توليدها، وهي في جوهرها عملية تذكُّر واستدعاء اختيارية لمعلومات أو خبرات أو مفاهيم سبق تعلمها، وقد تَمَّ التوصل إلى عدة أنواع للطلاقة عن طريق التحليل العاملي، وفيما يلي تفصيل لهذه الأنواع مع أمثلة عليها:

أ- الطلاقة اللفظية أو طلاقة الكلمات؛ مثل:

• اكتب أكبر عدد ممكن من الكلمات التي تبدأ بحرف “م”، وتنتهي بحرف “م”.

• اكتب أكبر عدد ممكن من الكلمات التي تضم الأحرف الثلاثة التالية: “ك، أ، ن”.

• هات أكبر عدد ممكن من الكلمات المكونة من أربعة أحرف، وتبدأ بحرف “ج”.

 

ب- طلاقة المعاني أو الطلاقة الفكرية؛ مثل:

• اذكر جميع الاستخدامات الممكنة لـ “علبة البيبسي”.

• اذكر كل النتائج المترتبة على زيادة عدد سكان الأردن بمقدار الضعفين.

• أعطِ أكبر عدد ممكن من العناوين المناسبة لموضوع القصة.

• اكتب أكبر عدد ممكن من النتائج المترتبة على مضاعفة طول اليوم ليصبح 48 ساعة.

 

ج- طلاقة الأشكال:

هي القدرة على الرسم السريع لعدد من الأمثلة والتفصيلات أو التعديلات في الاستجابة لمثير وضعي أو بصري؛ مثل:

كوِّن أقصى ما تستطيع من الأشكال أو الأشياء باستخدام الدوائر المعلقة أو الخطوط المتوازية التالية:

الشكل رقم 3 – 3

رسم لنموذج من أسئلة قياس طلاقة الأشكال

 

ثانيًا: المرونة:

وهي القدرة على توليد أفكار متنوعة ليست من نوع الأفكار المتوقعة عادة، وتوجيه أو تحويل مسار التفكير مع تغير المثير أو متطلبات الموقف، والمرونة هي عكس الجمود الذهني، الذي يعني تبنِّي أنماط ذهنية محددة سلفًا وغير قابلة للتغير حسب ما تستدعي الحاجة.

 

ومن أشكال المرونة:

المرونة التلقائية، والمرونة التكيفية، ومرونة إعادة التعريف أو التخلي عن مفهوم أو علاقة قديمة لمعالجة مشكلة جديدة، ومن الأمثلة عليها:

• اكتب مقالاً قصيرًا لا يحتوي على أي فعل ماضٍ.

• فكِّر في جميع الطرق التي يمكن أن تصمِّمها لوزن الأشياء الخفيفة جدًّا.

 

ويلاحظ هنا أن الاهتمام ينصبُّ على تنوع الأفكار أو الاستجابات، بينما يتركز الاهتمام بالنسبة للطلاقة على الكم دون الكيف والتنوع.

 

ثالثًا: الأصالة Originality:

الأصالة هي أكثر الخصائص ارتباطًا بالإبداع والتفكير الإبداعي، والأصالة هنا بمعنى الجدة والتفرد، وهي العامل المشترك بين معظم التعريفات التي تركز على النواتج الإبداعية كمحكٍّ للحكم على مستوى الإبداع، ولكن المشكلة هنا هي عدم وضوح الجهة المرجعية التي تتخذ أساسًا للمقارنة: هل هي نواتج الراشدين؟ أم نواتج المجتمع العمري؟ أم النواتج السابقة للفرد نفسه؟ كيف لنا أن نعرف أن فكرة أو حلاًّ لمشكلةٍ ما يحقق شرط الأصالة؟

وماذا لو توصَّل اثنان في بلدين متباعدين إلى حل إبداعي لمشكلة ما في أوقات متقاربة؟ ألا يستحق الثاني وصف المبدع؛ لأنه جاء متأخرًا في إنجازه؟

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاتجاهات الإنسانية والبيئية تتبنَّى وجهة النظر القائلة باعتماد الخبرة الشخصية السابقة للفرد أساسًا للحكم على نوعية نواتجه؛ بمعنى أن الأصالة ليست صفة مطلقة، ولكنها محدَّدة في إطار الخبرة الذاتية للفرد.

 

رابعًا: الإفاضة Elaboration:

تعني القدرة على إضافة تفاصيل جديدة ومتنوعة لفكرة أو حل لمشكلة أو لوحة، من شأنها أن تساعد على تطويرها وإغنائها وتنفيذها.

 

خامسًا: الحساسية للمشكلات Sensitivity to Problems:

يقصد بها الوعي بوجود مشكلات أو حاجات أو عناصر ضعف في البيئة أو الموقف.

ويعني ذلك أن بعض الأفراد أسرع من غيرهم في ملاحظة المشكلة والتحقق من وجودها في الموقف، ولا شكَّ في أن اكتشاف المشكلة يمثِّل خطوة أولى في عملية البحث عن حلٍّ لها، ومن ثَمَّ إضافة معرفة جديدة أو إدخال تحسينات وتعديلات على معارف أو منتجات موجودة، ويرتبط بهذه القدرة ملاحظة الأشياء غير العادية أو الشاذَّة أو المحيِّرة في محيط الفرد، أو إعادة توظيفها أو استخدامها وإثارة تساؤلات حولها من مثل: “لماذا لم يقم أحد بإجراءٍ حيالَ هذا الوضع؟”، أو “لماذا لا يكون جهاز (الهاتف مثلاً) بهذا الشكل؛ حتى يسهل على الأطفال استخدامه لطلب النجدة مثلاً؟”.

 

عقبات التفكير الإبداعي:

أشارت مراجع عديدة إلى وجود عقباتٍ كثيرة ومتنوِّعة تقف في طريق تنمية مهارات التفكير الإبداعي والتفكير الفعَّال، وربما كانت الخطوة الأولى التي يجب أن ينتبه إليها المعلِّمون والمدرِّبون والآباء هي تحديد هذه العقبات؛ حتى يمكن التغلب عليها بفاعلية عند تطبيق البرنامج التعليمي أو التدريبي الذي يستهدف تنمية مهارات التفكير الإبداعي، وقد صنَّف الباحثان إساكسن وترفنجر (Isaksen & Treffinger, 1985) عقبات التفكير الإبداعي في مجموعتين رئيستين، نوجزهما فيما يلي:

أولاً: العقبات الشخصية:

ضعف الثقة بالنفس: الثقة بالنفس عامل مهمٌّ في التفكير الإبداعي؛ لأن ضعف الثقة بالنفس يقود إلى الخوف من الإخفاق، وتجنُّب المخاطرة والمواقف غير المأمونة عواقبها.

 

الميل للمجاراة Conformity:

إن النزعة للامتثال إلى المعايير السائدة تُعِيق استخدام جميع المدخلات الحسية، وتحدُّ من احتمالات التخيل والتوقع، وبالتالي تضع حدودًا للتفكير الإبداعي.

 

الحماس المفرط: تؤدي الرغبة القوية في النجاح والحماس الزائد لتحقيق الإنجازات إلى استعجال النتائج قبل نضوج الحالة، وربما القفز إلى مرحلة متأخِّرة في العملية الإبداعية دون استنفاذ المتطلبات المسبقة التي قد تحتاج إلى وقت أطول.

 

التشبع Saturation:

يعني التشبع الوصولَ إلى حالة من الاستغراق الزائد الذي قد يؤدي إلى إنقاص الوعي بحيثيات الوضع الراهن، وعدم دقة المشاهدات، والتشبعُ حالة مضادة للاحتضان Incubation أو الاختزان المرحلي للفكرة أو المشكلة.

 

التفكير النمطي:

يقصد بالتفكير النمطي ذلك النوع من التفكير المقيد بالعادة Habit – Bound Thinking، وقد عدَّه الباحثان إساكسن وترفنجر من أبرز عقبات التفكير الإبداعي (Isaksen & Treffinger, 1985).

 

ولتوضيح أثر هذه العقبة أورد ديبونو مثالاً رمزيًّا يتلخَّص في أن كلبًا اعتاد أن يسلك طريقًا طويلاً للحصول على عَظْمةٍ يضعُها صاحبه في نفس الموقع خلف سياج؛ (انظر الشكل رقم 4 – 3)، ولمَّا كانت أول محاولة ناجحة للوصول إلى العظمة قد تحققت بعد سلوك هذا الطريق الطويل، فقد ظل الكلب متمسكًا بها وأصبحت عادة يقوم بها بصورة آلية، ولو أمكن توجيه الكلب لهذه العقبة لأصبح بمقدوره أن يتخلى عن عادته ويكتشف الطريق الأقصر لبلوغ هدفه.

 

الشكل رقم 3 – 4

رسم توضيحي يبين أثر العادة في اختيار الكلب للسير مسافة طويلة للحصول على العظمة:

 

كما أورد الباحثان بيرش ورابينوتز (Birch & Rabinowitz, 1951, pp. 121 – 125) المثال التالي:

افترِضْ أنك دخلتَ غرفةً يتدلَّى من سقفها حبلانِ، وطُلِب منك ربط الحبلين معًا، وكان هناك بعض الأدوات على طاولة في زاوية الغرفة، من بينها مطرقة وزرادية ومِقَص، وأمسكتَ بيدِك طرف أحد الحبلين ومشيت باتجاه الحبل الآخر، ولكنك سرعان ما تيقنت بأنك لن تستطيع الوصول إلى طرف الحبل الآخر، حاولت توسيع المدى الذي يمكن أن تصله باستعمال المطرقة فلم تنجح، فماذا تفعل لحل المشكلة؟ (انظر الشكل رقم 3 – 5).

الشكل رقم 3 – 5

رسم توضيحي يبين الأثر السلبي للعادة في حل المشكلات:

 

إن هذه المشكلة يمكن حلُّها باستخدام الأدوات المتاحة بطريقة غير تقليدية، فإذا ربطت المطرقة بطرف أحد الحبلين وأخذت تلوح به كبندول الساعة، فإنك ستكون قادرًا على الإمساك به وأنت في وسط الغرفة وبيدك الأخرى طرف الحبل الآخر، وبذلك تكون قد استعملت وزن الأداة لتجعل الحبل يقترب منك بدلاً من محاولة شدِّه أو تطويله.

 

إن الناس يخفقون غالبًا في التوصل لهذا الحل؛ لأنهم نادرًا ما يفكرون في استعمالات جديدة غير تلك الاستعمالات التقليدية للأدوات أو المواد المتاحة، وقد فسَّر الباحث دنكر (Duncker, 1945) هذا الإخفاق بميل الأفراد إلى التمسك بالاستعمالات المألوفة للأشياء، واستخدم في وصف هذا الميل تعبير “الجمود” أو “الثبات الوظيفي” Functional Fixed – ness.

 

عدم الحساسية أو الشعور بالعجز:

من الخصائص الضرورية لعملية التفكير الإبداعي اليقظة والحساسية المرهفة للمشكلات، وعندما تضعف الحساسية نتيجة عدم الإثارة أو قلة التحدِّي، فإن الشخص يصبح أكثر ميلاً للبقاء في دائرة ردودِ الفعل لما يدور حوله، ويتخلَّى عن المبادأة في استشراقِ أبعاد المشكلة والانشغال في إيجاد حلول لها مجرد الإحساس بها.

 

التسرع وعدم احتمال الغموض:

ترتبط هذه الصفة بالرغبة في التوصل إلى جواب للمشكلة من خلال انتهاز أول فرصة سانحة، دون استيعاب جميع جوانب المشكلة، والعمل على تطوير بدائل أو حلول عدة لها، ومن ثَمَّ اختيار أفضلها، ومن المشكلات المرافقة لهذه الصفة عدم احتمال المواقف المعقدة أو الغامضة والتهرب من مواجهتها.

 

إن الرغبة الجامحة على شروط الأمن والنظام الشخصي تُضعِف القدرة على احتمال المواقف الغامضة أو المواقف غير الواعدة بنتائج سارة، وتتجلى هذه الصفة لدى الأشخاص الذين يصرُّون على طرح أفكار عملية ومحسوسة في صورة نهائية.

 

كما يعد تأجيل إصدار الأحكام من الخصائص المهمة للتفكير الإبداعي، وعند ممارسة عملية العصف الذهني مثلاً، لا يسمح بإصدار الأحكام إلا بعد استنفاذ كل فرصة ممكنة لتوليد الأفكار.

 

نقل العادة:

عندما تترسخ لدى الفرد أنماط وأبنية ذهنية معينة كانت فعَّالة في التعامل مع مواقف جديدة ومتنوعة، فإنه غالبًا ما يتم تجاهل إستراتيجيات أخرى أكثر فاعلية، ومن العبارات القاتلة التي تلخص هذه العقبة قولُنا: “لقد كنا دائمًا نفعل هذا بنجاح”، أو: “كنا دائمًا نحل المشكلة بهذه الطريقة”.

 

ثانيًا: العقبات الظرفية:

يقصد بالعقبات الظرفية للتفكير الإبداعي تلك العقبات المتعلِّقة بالموقف ذاته، أو بالجوانب الاجتماعية أو الثقافية السائدة، ومن أهم هذه العقبات:

أ- مقاومة التغير:

هناك نزعة عامة لمقاومة الأفكار الجديدة، والحفاظ على الوضع الراهن بوسائل عديدة؛ خوفًا من انعكاساتها على أمن الفرد واستقراره، وهناك مَن يعتقد بأن الخبرة الحديثة تشكل تهديدًا لمكتسباته وأوضاعه؛ ولذلك تجده يستجيب باستخدام العبارات القاتلة لأي فكرة جديدة، من مثل:

لن تنجح هذه الطريقة في حل المشكلة.

هذه الفكرة سوف تكلف كثيرًا جدًّا.

لم يسبق أن فعلنا ذلك من قبل.

 

ب- عدم التوازن بين الجدِّ والفكاهة:

يعتقد البعض أن التفكير الإبداعي تفكير منطقي، وعقلاني، وعملي، وجدِّي، ولا مكان فيه للحدس والتأمل، والتخيل والمرح، وأن اللعب قد يكون ملائمًا للأطفال، أما التخيل والتأمل، فهما مضيعة للوقت، إن تنمية التفكير الإبداعي تتطلب نوعًا من التوازن الدقيق بين كل هذه العناصر.

 

ج- عدم التوازن بين التنافس والتعاون:

هناك حاجة للمزج بين روح التنافس وروح التعاون لكلٍّ من الفرد والجماعة لتحقيق إنجازات قديمة، وقد يكون الاعتبار المفرط لأيٍّ منهما سببًا في فقدان الاتصال بالمشكلة الحقيقية أو التقدُّم في حلها؛ ولذلك فإن التوازن بينهما شرطٌ من شروط التفكير المنتج أو التفكير الإبداعي.

 

مقارنة بين التفكير الإبداعي والتفكير الناقد:

ربما كان من غير الممكن التمييز بين التفكير الإبداعي والتفكير الناقد؛ لسبب بسيط، هو أن أي تفكير جيد يتضمن تقييمًا للجودة أو النوعية وإنتاج ما يمكن وصفه بالجدة، ومن الصعب أن ينشغل الدماغ بعملية تفكير مركب دون دعم من عملية تفكير مركبة أخرى.

 

ولكن نواتج التفكير تتنوع تبعًا لنوع المهمة، وما إذا كانت تتطلب تفكيرًا إبداعيًّا أو تفكيرًا ناقدًا، وفيما يلي مقارنة بين التفكير الناقد والتفكير الإبداعي:

التفكير الناقد

التفكير الإبداعي

تفكير متقارب Convergent تفكير متشعب Divergent
يعمل على تقييم مصداقية أمور موجودة يتصف بالأصالة
يقبل المبادئ الموجودة، ولا يعمل على تغييرها عادة ما ينتهك مبادئ موجودة ومقبولة
يتحدَّد بالقواعد المنطقية، ويمكن التنبؤ بنتائجه لا يتحدَّد بالقواعد المنطقية، ولا يمكن التنبؤ بنتائجه
يتطلبان وجود مجموعة من الميول والاستعدادات لدى الفرد
يستخدمان أنواع التفكير العليا؛ كحل المشكلات، واتخاذ القرارات، وصياغة المفاهيم

 

إن الاختراق الإبداعي Creative Breakthrough يُظهِر بوضوح الفرقَ بين التفكير الناقد والتفكير الإبداعي، فالتفكير الناقد محكوم بقواعد المنطق، ويقود إلى نواتج يمكن التنبؤ بها، أما التفكير الإبداعي، فليس هناك قواعد منطقية تحدِّد نواتجه. ولأن ما يتم اكتشافه في حالة الاختراق الإبداعي شيء جديد وأصيل، فليس ممكنًا التنبؤ به، إنه شيء يحدث على يد شخص، وهذا كل ما في الأمر، رغم أن هناك بعض العوامل المعينة في حدوث الاختراق.

 

التعليقات 1

  1. الحارثي

    موضوع مميز

    الرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

راسلنا